ابن عجيبة

59

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : قال الورتجبي : في الآية تحذير الربانيين العارفين باللّه وبحقوق اللّه ، والأحبار العلماء باللّه وبعذاب اللّه لمن عصاه ، وبثواب اللّه لمن أطاعه ؛ لئلا يسكنوا عن الزجر للمبطلين والمغالطين ، المائلين عن طريق الحق إلى طريق النفس ، وبيّن تعالى أن من داهن في دينه عذب وإن كان ربانيا . ه . وفي بعض الأثر : « إذا رأى العالم المنكر وسكت ، فعليه لعنة اللّه » . والذي يظهر أن نهى الربانيين يكون بالهمة والحال ، كقضية معروف الكرخي وغيره ، ونهى الأحبار يكون بالمقال ، وقد تقدم هذا . واللّه تعالى أعلم . ثم ندبهم إلى الإسلام فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 65 إلى 66 ] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ ؛ اليهود والنصارى ، آمَنُوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به ، وَاتَّقَوْا ما ذكرنا من معاصيهم ومساويهم ، لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ المتقدمة ، ولم نؤاخذهم بها ، وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ مع المؤمنين ، وفيه تنبيه على أن الإسلام يجب ما قبله ولو عظم ، وأن الكتابي لا يدخل الجنة إلا أن يسلم . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ بالإيمان بما فيهما ، وإذاعة علمهما ، والقيام بأحكامهما ، من غير تفريق بينهما ، وآمنوا بما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، يعنى : بسائر الكتب المنزلة ، ومن جملتها القرآن العظيم ، فإنهم لما كلفوا بالإيمان بها صارت كأنها منزلة عليهم ، فلو فعلوا ذلك لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أي : لوسعنا عليهم أرزاقهم ، وبسطنا عليهم النعم ؛ بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض ، أو : لأكلوا من فوقهم بكثرة ثمرة الأشجار ، ومن تحت أرجلهم بكثرة الزروع ، أو من فوقهم ما يجنون من ثمار أشجارهم ، ومن تحت أرجلهم ما يتساقط منها ، والمراد : بيان علة قبض الرزق عنهم ، وأن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم ، لا لقصور القدرة عن ذلك . ولو أنهم أقاموا ما ذكرنا لو سعنا عليهم ، ولحصل لهم خير الدارين ، مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ أي : جماعة عادلة غير غالية ولا مقصرة ، وهم الذين آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ أي : قبح عملهم ، وفيه معنى التعجب ، أي : ما أسوأ عملهم ! ، وهو المعاندة وتحريف الحق والإعراض عنه ، والإفراط في العداوة . قاله